12 جمادى الأولى 1448

الموافق

السبت 24-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

خاص جنوبيات خاص جنوبيات "أزمة النفايات" في لبنان.. خطط معلّقة وحلول مستدامة تنتظر التنفيذ
"أزمة النفايات" في لبنان.. خطط معلّقة وحلول مستدامة تنتظر التنفيذ
سوسن بركة
2026-10-24
"أزمة النفايات" في لبنان.. خطط معلّقة وحلول مستدامة تنتظر التنفيذ

 

تتجاوز أزمة النفايات في لبنان مشهد الأكياس المتراكمة والحاويات الممتلئة، لتكشف خللاً أعمق في إدارة هذا القطاع، يرتبط بنقص التمويل وتداخل المسؤوليات وضعف الفرز والمعالجة والرقابة. وعلى الرغم من مرور سنوات على أزمة عام 2015، لا يزال هذا الملف يواجه تحديات بيئية وخدماتية تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى منظومة متكاملة تضمن الجمع والمعالجة والتخلص الآمن من المخلفات.

وتبرز أهمية هذا الملف في بيروت، نظراً إلى الكثافة السكانية والنشاط التجاري، فيما تواجه بلديات عدة صعوبات في تأمين الخدمات والموارد والمنشآت اللازمة. وتُظهر بيانات البنك الدولي لعام 2023 أن نحو 43 في المئة من النفايات في لبنان كانت تُلقى في مكبات مفتوحة، مقابل 57 في المئة استقبلتها المطامر الصحية، في حين لم تتجاوز نسبة الكميات المعالجة في المنشآت القائمة نحو 8 في المئة. وتعكس هذه الأرقام واقع القطاع في ذلك العام، ولا تمثل إحصاءات آنية لعام 2026.
من الجمع إلى إدارة الأزمة
لا تكمن المشكلة في رفع النفايات ونقلها فحسب، بل في غياب منظومة متكاملة تبدأ بالفرز من المصدر، مروراً بالنقل والمعالجة وإعادة التدوير، وصولاً إلى التخلص الآمن من المخلفات.
ويؤدي خلط المواد العضوية بالبلاستيك والورق والزجاج والمعادن إلى زيادة صعوبة استرداد العناصر القابلة للتدوير وارتفاع كلفة معالجتها. كذلك، يتفاقم الاعتماد الواسع على الطمر والمكبات المفتوحة المخاطر البيئية، بدءاً من تلوث التربة والمياه، وصولاً إلى انبعاث الملوثات الناتجة عن الحرق العشوائي، فضلاً عن الروائح الكريهة وانتشار الحشرات والقوارض.
وتتفاقم هذه التحديات بفعل نقص الموارد المالية والفنية لدى بعض البلديات، وعدم كفاية المنشآت المتاحة أو صعوبة تأمين مواقع مناسبة للتخلص النهائي. كما يحدّ تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية من القدرة على تحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين.
مسؤولية الدولة والبلديات
تقع على الدولة مسؤولية وضع السياسة الوطنية لإدارة هذا القطاع وتأمين التمويل والبنية التحتية والرقابة، إلى جانب ضمان التنسيق بين المؤسسات والبلديات والجهات المشغّلة. وفي المقابل، تتولى السلطات المحلية مهام أساسية في تنظيم خدمات النظافة والجمع والكنس ومراقبة المخالفات ضمن نطاقها.
وفي هذا السياق، أقرّ مجلس الوزراء في 30 كانون الثاني 2026 تحديث الاستراتيجية الوطنية المتكاملة لإدارة النفايات الصلبة، كما استُكملت خطوات تعيين مجلس إدارة الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، وفق ما أعلنته وزارة البيئة في شباط 2026.
غير أن فعالية هذه الخطوات تبقى مرتبطة بقدرتها على التحول إلى إجراءات عملية ومشروعات قابلة للقياس، تستند إلى تمويل مستدام ومراقبة جدية للعقود والإنفاق، فضلاً عن نشر بيانات واضحة بشأن الكميات المجموعة والمعالجة والمطمورة وكلفة إدارتها.
الفرز والمعالجة وإعادة التدوير مدخل الحل
يتطلب الخروج من الأزمة خطة متكاملة تبدأ بتقليل الإنتاج وفرز المواد من المصدر، مع توفير حاويات منفصلة وآليات جمع تضمن عدم خلطها مجدداً. ويمكن إطلاق مشاريع تجريبية في الأحياء والأسواق والمدارس والمؤسسات العامة، قبل توسيعها استناداً إلى النتائج المحققة.
ويشكّل تطوير منشآت الفرز والمعالجة أولوية أخرى، من خلال تقييم قدرات المرافق القائمة وتأمين احتياجاتها التشغيلية، وإنشاء منشآت إضافية حيث تدعو الحاجة، بناءً على دراسات علمية وبيئية. كما يمكن تحويل جزء من المكونات العضوية إلى سماد وفق معايير صحية، بالتوازي مع دعم قطاع إعادة التدوير وتوفير أسواق للمواد المستردة.
أما المكبات العشوائية، فتتطلب جرداً وطنياً وتقييماً لمخاطرها، ووضع خطة لإقفال المواقع الأكثر خطورة وتأهيلها، شرط تأمين بدائل آمنة لاستقبال النفايات، منعاً لانتقال المشكلة من منطقة إلى أخرى.
ولا تكتمل هذه الإجراءات من دون آلية تمويل واضحة، ورقابة على الشركات المشغّلة، وربط المستحقات بمستوى الخدمة الفعلي، إلى جانب دعم البلديات محدودة الموارد وتشجيع التعاون بينها عندما يكون أكثر كفاءة وأقل كلفة.
المواطن شريك في الحل لا بديل عن الدولة
يمكن للمواطنين المساهمة في الحد من الأزمة من خلال تقليل الاستهلاك غير الضروري، وإعادة استخدام المواد المناسبة، والفرز وفق النظام المعتمد، والامتناع عن رمي المخلفات عشوائياً أو حرقها. كما تستطيع المدارس والجامعات والجمعيات والمؤسسات التجارية أداء دور فاعل في التوعية وإطلاق المبادرات البيئية.
وفي السياق نفسه، هذه المشاركة لا تعفي الدولة والبلديات من واجباتهما، إذ لا يمكن مطالبة الناس بالفرز من دون توفير نظام جمع منفصل، أو تحقيق نتائج مستدامة إذا أُعيد خلط المواد المفروزة أو غابت منشآت المعالجة.
ويحتاج تقييم نجاح أي خطة إلى مؤشرات معلنة، أبرزها انتظام الجمع، وتراجع التراكمات والمكبات العشوائية، وارتفاع نسب الفرز والمعالجة وإعادة التدوير، وانخفاض الكميات المرسلة إلى الطمر، فضلاً عن نشر تكاليف الخدمات ومدى الالتزام بالعقود والنتائج المحققة.
من الحلول المؤقتة إلى سياسة مستدامة
التحدي الحقيقي لأزمة النفايات، لا يقتصر على تنظيف الشوارع، بل يتمثل في بناء نظام متكامل يمنع تكرارها، من خلال تحديد المسؤوليات وتأمين التمويل وتطوير البنية التحتية وتعزيز الرقابة والمحاسبة.
وبين الخطط المعلنة وصعوبات التنفيذ، يبقى النجاح مرهوناً بالتزام حكومي واضح، وتعاون فعال بين المؤسسات والبلديات، ومشاركة مجتمعية مدعومة بخدمات فعلية. فالحل لا يكمن في إخفاء المخلفات أو نقلها من مكان إلى آخر، بل في معالجة أسباب المشكلة وحماية الصحة العامة والموارد الطبيعية، بما يضمن حق المواطن في بيئة سليمة.

أخبار مماثلة